د. محمد بن إبراهيم أباالخيل أستاذ مساعد في كلية العلوم العربية والاجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم 26/8/1423
11/11/2001
تدهورت أوضاع المسلمين في الأندلس إبان القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ، وكان مسلسل التدهور قد ابتدأ بالفتنة بين بني أمية ( حكام البلاد ) أنفسهم من جانب وبينهم وبين غيرهم من جانب آخر . ثم انقسمت البلاد الأندلسية شيعاً وأحزاباً ، فصارت السلطة فيها تتوزع بين أكثر من عشرين دويلة صغارها لم يكن سلطانها يتجاوز بعض الحصون أو القرى . وقد أًطلق على هذا العصر من التاريخ الأندلسي عصر دول الطوائف . والمتأمل في أحوال تلك الدويلات يجد بين حكامها ـ رغم كثرة أعدادهم ـ سمات مشتركة ، من أبرزها افتقاد أكثريتهم إلى الشرعية في حكم الأراضي التي يسيطرون عليها ، والاقتتال العنيف بينهم في سبيل بسط النفوذ على أكبر قدر ممكن من البلاد ، كذلك التناحر على الحكم في داخل الدويلة الواحدة بين أفراد الأسر الحاكمة ، ومنها الاستعانة باليهود والنصارى سواء في شؤون الحكم والإدارة ، أو في ضرب إخوانهم المسلمين . وقد عم أرجاء الأندلس في ظل سيطرة هؤلاء الحكام فساد عريض على كافة المستويات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية .
بينما كان المسلمون في الأندلس يعيشون هذه الأوضاع المؤسية إذ تعرضت بلادهم في طرفها الشمالي الشرقي المسمى الثغر الأعلى الأندلسي لحملة صليبية غاشمة شارك فيها عدد من القوى النصرانية ، وكان ذلك في منتصف القرن الخامس الهجري . حيث أن النورمان الذين اعتنقوا النصرانية حديثاً انطلقوا من موطنهم الجديد نورماندي ـ الواقع في الشمال الغربي من فرنسا ـ نحو الأندلس بقيادة زعيمهم جيوم دي مونري ، وذلك بنصيحة ثم تشجيع من بابا روما في ذلك الوقت أسكندر الثاني الذي كان يعرف هذا القائد النورماني جيداً قبل هذه الحملة بسبب قدومه إلى إيطاليا وخدمته للبابوية حيناً من الزمن . وفي طريق الحملة إلى الأندلس التحقت بها جموع من الفرسان الفرنسيين ، ثم نزل الجميع في مملكة قطلونيا النصرانية الكائنة في أقصى الشمال الشرقي من بلاد الأندلس ، ولا يُعلم إن كانوا اخترقوا البلاد الفرنسية ودخلوا قطلونيا من جبال البرتات الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا أم أنهم قدموا عن طريق البحر المتوسط ، وسواء كان هذا أو ذاك فالحاصل أن قطلونيا النصرانية أذنت لهم بالنزول في أرضيها ، ثم سمحت لهم بالعبور من خلالها للهجوم على بلاد المسلمين ، ولا يستبعد أن يكون بعض القطلونيين انضموا إليهم .
وواضح مما سبق الصبغة الصليبية التي اكتست هذه الحملة ، فهي انطلقت من قاعدة نصرانية ، وشارك فيها أكثر من بلد نصراني سواء بالجنود أو بالسماح لها بالعبور من خلال أراضيه ، وفوق ذلك دور بابا روما في الإشارة بها وتشجيع قادتها .
تحرك هؤلاء النصارى الصليبيون الذين بلغ تعدادهم زهاء أربعين ألفاً من قطلونيا غرباً بجنوب صوب بلاد المسلمين فحلوا في الثغر الأعلى الأندلسي ، وقصدوا أولاً مدينة وَشْقَة فنازلوها أياماً ، ولما لم ينالوا منها مأرباً بارحوها وساروا شرقاً حتى نزلوا على مدينة بَرْبَشْتر الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة سرقسطة قاعدة الثغر الأعلى ، وكانت يومئذ من أمنع القواعد الإسلامية في الشمال الأندلسي ، فضربوا حولها الحصار وذلك في جمادى الآخرة سنة 456 هـ / 1046 م . ولقد كان من المنتظر أن يهب ملوك الطوائف جميعاً لدفع هذا الحصار الصليبي عن بربشتر ، دع عنك حكام الثغر الأعلى الذين تقع عليهم مسؤولية الدفاع عنها بالدرجة الأولى . لكن ـ ياللأسف ـ لم يتحرك هؤلاء ولا أولئك فتركوا المدينة تواجه الهجوم الصليبي لوحدها ، ومن المحزن أن هذه المدينة كانت تابعة للمظفر يوسف بن سليمان بن هود ، وكان على عداء صارخ مع أخيه المقتدر أحمد بن سليمان بن هود منذ وفاة والدهما سليمان ، فلم يستطع المظفر انجادهما ، ولم يتحرك أخوه المقتدر لنجدتها مع قدرته على ذلك ، ولم يكن من سبب يمنعه من نجدتها سوى أنها كانت من أملاك أخيه .
حاصر العدو المدينة ، وصمد المسلمون فيها ، وكان بعض المقاتلين منهم يخرجون من آن لآخر ويشتبكون معه في معارك شديدة ثم يرتدون إلى الداخل كرة أخرى . إلا أن استمرار الحصار أربعين يوماً أحدث في المدينة ضيقاً شديداً ، وقلت الأقوات فيها ، ثم حدث من جراء ذلك تنازع وخلاف بين أهلها ، فعلم النصارى بما جرى فشددوا قبضتهم ، وضاعفوا عدوانهم عليها حتى تمكنوا بعد قتال عنيف من اقتحام الأسوار الخارجية للمدينة ، وقد دافع المسلمون عن أنفسهم أشد دفاع ، وقتلوا من المهاجمين نحو خمسمائة ، ثم انحازوا إلى المدينة الداخلية للتحصن بها ، والدفاع عن أنفسهم ، وبينما كانوا معتصمين فيها وقد عقدوا العزم على المقاومة لآخر رمق إذ قدّم أحد الخونة المنافقين للأعداء معلومة في غاية الأهمية تتعلق بأحد أسرار المدينة الذي بمعرفته يستطيعون إنهاء المقاومة الإسلامية فيها بأقصر زمن ، حيث دلهم على مجرى ( سرب ) الماء الأرضي الذي يمدها بالماء ، فقاموا على الفور بهدمه ، فانقطع الماء عن المحصورين . وهذا المنافق الذي قدم تلك المعلومة للعدو يكثر وجوده حين تحل بالأمة الإسلامية أزمات ، أو تصاب بمحن ، فمثل هذا الصنف مذبذب في ولائه دائماً بين المسلمين وعدوهم ، فإن كانت الدائرة للمسلمين كان في صفهم ، وادعى أنه مخلص لقضيتهم ، وإن رأى الأعداء في سبيلهم إلى النصر والغلبة انحاز في ولائه وهواه إليهم لما يمني نفسه من السلامة من القتل ، والمكافأة على ما بذله من خدمة لهم .
على أي حال اشتد الظمأ بالمسلمين المحاصرين ، وبدا شبح الموت قريباً منهم ، فبعثوا إلى قائد الجحافل الصليبية جيوم دي مونري يطلبون منه الأمان على أنفسهم وأولادهم مقابل تسليم المدينة وترك ما بها من أموال وأمتعة ، فرفض طلبهم ، وتابع هؤلاء المعتدون الحصار حتى تمكنوا من اقتحام المدينة عنوة بعد مواجهات عنيفة مع المسلمين ، فدخلوها دخول الوحوش المفترسة ، فاستباحوا المدينة بمن فيها وبما فيها ، وقتلوا وسبوا الألوف من أهلها . ثم أعلن القائد الصليبي الأمان ، ولما رأى كثرة الجموع الخارجة من المدينة في ظل الأمان الذي قطعه لهم هاله ذلك فأمر بالتخفيف منهم ، فأطيح أرضاً بستة آلاف منهم . وقد مات كثير من الشيوخ والنساء والأطفال بسبب العطش ثم الزحام عند الخروج من المدينة ، كما امتنع نحو سبعمائة في قصبة المدينة ( قلعتها ) فمات معظمهم عطشاً .
أن اقتحام مدينة بربشتر وذبح أهلها بهذه الكيفية يقدم صورة جلية لما تعتمل به قلوب النصارى المتعصبين من تعطش لدماء المسلمين ، فهم لم يقبلوا منهم تسليم المدينة وكل ما يملكون من أموال ومتاع حين عرضوا عليهم ذلك مقابل خروجهم فقط بأنفسهم وأولادهم بل أصروا أن يعملوا السيف في رقابهم حتى بعد إعطائهم الأمان ، فدماء المسلمين عندهم أرخص الدماء . وهم كإخوانهم من الكفار إذا ظهروا على المسلمين لا يرقبون فيهم إلاً ولا ذمة . ومثل هذه الصورة نراها تكرر عبر التاريخ في حقل الصراع بين المسلمين والنصارى حتى عصرنا الشاهد ، وليس ببعيد عنا ما قام ويقوم به النصارى وإخوانهم اليهود في البوسنة والهرسك وكوسوفا وفلسطين والشيشان وغيرها من بلاد المسلمين الممتحنة .
على أن هؤلاء الصليبيين الذين اقتحموا مدينة بربشتر لم يكتفوا بالقتل والسلب والأسر والتعذيب فحسب بل ارتكبوا في حق أهلها المسلمين عملاً شنيعاً لا يقدم عليها إلا أخس الجنود وأنذلهم ، حين قاموا بهتك الأعراض بطرق فضيعة ومؤذية . وندع المؤرخ ابن حيان الأندلسي ( ت 469 هـ ) الذي عاصر الحدث وعايشه ـ يصف طرفاً مما جرى لأهل بربشتر المسلمين ، حيث يقول (( ولما برز من بقي من أهل المدينة عنها إلى فناء بابها بعد من خفف منهم بالقتل ، وهلك بالزحمة ، ظلوا قياماً ذاهلين منتظرين لنـزول القضاء بهم ، نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار إلى داره ووطنه بأهله وولده ، وأزعجوا لذلك ، فنالهم من الازدحام قريباً مما نالهم في خروجهم عنها ، فلما استقروا فيها مع عيالهم وذرياتهم اقتسمهم المشركون بأمر سلطانهم قسمة قرروها بينهم ، فكل من صارت في حصته دار حازها ، وحاز ما فيها من أهل وولد ومال ، يحكم كل علج منهم في من سُلط عليه من أرباب الدور بحسب ما يبتليه الله به منهم ، يأخذ كل ما أظهره عليه من نشب ، ويقرره على ما أخفاه عنه ، يعذبه أنواعاً من العذاب حتى يبلغ نفسه عذرها منه ، فربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح ، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من ذلك ، فإن عداة الله كانوا يومئذ يتولعون بهتك حُرم أَسْراهم وبناتهم بحضرتهم وعلى أعينهم إبلاغاً في تعذيب قلوبهم ، يغشون الثيب ، ويفتضون البكر ، وزوج تلك وأبو هذه موثق بقيد إساره ، ناظر إلى سُخنة عينه ، فعينه تدمع ، ونفسه تقطع 000 فبلغ الكفرة فيهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة ))
التعليقات
ارسل تعليق
موقع محاكم التفتيش وإبادة المسلمين في الأندلس
موقع يستعرض الأساليب والأدوات الوحشية التي استخدمت لإجبار مسلمي الأندلس للتخلي عن دينهم